نصر حامد أبو زيد
44
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
وانما يفهم كلّ بمقدار ما يفتح عليه « 1 » . وإلى مثل ذلك ذهب أبو بكر بن العربي ، فجعل علوم القرآن لا تتناهى إذا راعينا الروابط والتراكيب . وهذه العلوم إذا حصرت باعتبار كلمات القرآن فهي : خمسون علما وأربعمائة وسبعة آلاف علم وسبعون ألف علم على عدد كلم القرآن ، مضروبة في أربعة . قال بعض السلف : إذ لكل كلمة ظاهر وباطن وحد ومطلع . وهذا مطلق دون اعتبار تراكيبه وما بينها من روابط . وهذا ما لا يحصى ولا يعلمه إلا اللّه عزّ وجلّ « 2 » . إن سيادة هذا المفهوم لدلالة النص وسيطرته على الثقافة قد أدى في النهاية إلى نقل فعالية النص من مجال الدلالة اللغوية بوصف النص رسالة إلى مجال الدلالة السميوطيقية بوصف النص أيقونة . ويمكن أن يكون ذلك مسؤولا إلى حد كبير عن اعطاء الأولية في بعض مراحل تاريخنا الفكري والثقافي للأحاديث النبوية وذلك بوصفها خطابا بشريا قابلا للفهم من حيث اللغة والصياغة وذلك إذا قورنت بقداسة القرآن وأزلية لغته وتعبيرها عن ذات المتكلم سبحانه وتعالى . وتلك قضية سنعود إليها بمزيد من التحليل عند حديثنا عن « الاعجاز » من جهة ، وعند حديثنا عن « تحويل مفهوم النص » في الباب الأخير من هذه الدراسة من جهة أخرى . ج - وإذا كان الرأي السابق يرى أن الشفرة اللغوية في عملية الاتصال / الوحي كانت هي اللغة العربية سواء في مستوى الاتصال الرأسي ( اللّه - جبريل ) أم في المستوى الأفقي ( جبريل - محمد ) فإن الرأي الثاني يفرق بين هذين المستويين ، فيجعل تحويل الوحي من مستوى « الالهام » إلى مستوى الاتصال اللغوي ، أي يجعل الصياغة اللغوية للوحي مهمة جبريل مرة ، ويجعلها مهمة محمد مرة أخرى . انما نزل جبريل على النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالمعاني خاصة ، وأنه صلّى اللّه عليه وسلم علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب . وانما تمسكوا ( أصحاب هذا الرأي ) بقول اللّه تعالى : ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلى قَلْبِكَ ) « 3 » . وإذا كان أصحاب هذا الرأي يتمسكون بالمضمون الحرفي للنزول على « القلب » ، فيعتبرون أن النزول كان نزولا للمعاني منفصلة عن الشفرة اللغوية ، فلا شك في أن المفهوم
--> ( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ص 9 . ( 2 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 17 . ( 3 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ص 230 ، والآيتان من سورة الشعراء : 193 - 194 .